معلومات مهمة عن بيت لحم لا تعرفها عنها

- 04:30

ما رأيك لو حدثتك عن بيت لحم Bethlehem بسهولة الحديث عن مكونات حلوى البودينغ؟ هذه القطعة من البودينغ تُخفي الكثير من القصص عن بيت لحم.


حملت هذه المكونات في رحلتها من الشرق إلى الغرب قصة المدينة القديمة التي وضع أساسها “بني كنعان” وعلى مرِّ العصور ظلت هذه المدينة شامخة وظلت حلوى البودينغ باقية تروي لنا قصة بيت لحم. اليك معلومات مهمة قد لا تعرفها عنها.

معلومات مهمة عن بيت لحم لا تعرفها عنها

معلومات مهمة عن بيت لحم

دعني أولا احدثك عن رحلتي الى بيت لحم، فعندما توجهت لزيارة الخليل لأول مرة في شهر ديسمبر عام 1994م حاملًا بودينغ عيد الميلاد آملًا أن تكون الهدية الأمثل كي أُقدمها لوالديَّ -وخاصة عيد الميلاد-، وخاصة أنهم يعيشون في بيت لحم.

كان والد “ليلى”، “أنطون ساسنور”، أستاذًا جامعيًّا في الرياضيات، رجلٌ ضئيل الحجم انتصبت خصلات شعره البيضاء فوق رأسه وكأنما قد تلقى صعقة كهربائية في الحال، وأمها “رايسا” امرأة رشيقة المقام، رزينة ولها بشرة بيضاء كالثلج.

كانا كقطبي المغناطيس التحما معًا ولم يفترقا منذ التقيا في راديو موسكو في الستينيات؛ حيث كان “أنطون” يعمل هناك في المساء كي يوفر نفقاته الشخصية وقت تحضير رسالة الدكتوراة. كانت بيت لحم مسقط رأسه، وبالرغم من ذلك لم يتذوق يومًا بودينغ عيد الميلاد وهو ما وجدتُه غريبًا.

ولم أعرف كيف أشرح له الأمر، فبدأت بقراءة المكونات بصوتٍ عالٍ، فجميع المكونات تقريبًا كانت مزروعة في حديقته وبقية المكونات جلبها إليهم تجار العرب على ظهور الجمال عبر الصحراء كما جلبوا الذهب والبخور ولبان المر المذكورين في قصة المهد.

كانت المكونات المكتوبة على المُلصق، باستثناء بعض المواد الكيميائية، الزبيب العادي وزبيب السلطانيات واللوز والمشمش والتين والقرفة وجوزة الطيب والدهن والبيض والدقيق وفتات الخبز وحلوى الكرز المجفف وقشر الليمون والبرتقال وعصير الليمون وزيت البرتقال وزيت الليمون والعسل الأسود والسكر والكونياك.

وهذه ليست قصة هيمنة ثقافةٍ على الأخرى: فإن فكرة غلي الفاكهة المجففة والسكر والبيض والدقيق إلى أن تتحول إلى كرات سوداء ككرات المدافع تحمل بلا شك لمحة من العبقرية الإنجليزية.

إلا أن نكهة كعك الرول الطري تعكس شيئًا من جوهر بيت لحم كذلك حيث التلال تغطيها الأشجار وتحيط بها الصحاري وحيث حمل طريق التوابل المكونات من شبه الجزيرة العربية وما بعدها.

وعلى إثر هذا الصدام بين الثقافتين – المزارعين والبدو- تشكلت بيت لحم وأثرت في مجرى التاريخ، فقد وصلت المكونات إلى طهاة الحلوى في أوروبا على مرِّ العصور، من أكثرها قدمًا، مرورًا بالعصر الروماني والإسلامي والحملات الصليبية والحكم العثماني، لتصنع حلوى البودينغ من العجين أثرًا للتجارة التي جمعت بين المشرق والمغرب، وللعلاقات التي ربطت أوروبا بالأراضي المقدسة. إنها قطعة من التاريخ، بل إنه التاريخ قد تجمع في قطعة البودينغ هذه.

تحلقت التلال حول بيت لحم لتمثل المكان حيث قرر الإنسان أن يمد جذوره إلى الأرض لأول مرة. وكان أول من سكنوها أولئك البدو الذين لم يشعروا بالحاجة إلى السفر خلال المواسم المختلفة؛ ففي فصل الربيع، رعوا ماشيتهم في البرية التي حولها المطر في وقتٍ قصيرٍ إلى أراضٍ خضراء ممتدة، وتمكنوا من زراعة الأراضي الخصبة المستوية في الأودية بين التلال.

وتعلموا تربية الكلاب، ثم الأغنام، ثم بدأوا بزراعة الأشجار، وكان أولها شجر اللوز على الأرجح ثم شجر الزيتون بعد ذلك. وبذلك تكونت الثروة التي تمتلكها قرى بيت لحم منذ 3500 عامًا حين حُمل زيت الزيتون على ظهور الجمال إلى بلاد النيل فصنعت بذلك طريقًا للقوافل جنوبًا على طول طريق الخليل الموجود حاليًّا مرورًا ببئر السبع وحتى سيناء، ومنها إلى داخل مصر.

وتقع أكثر بساتين بيت لحم في عددٍ من الأودية التفت حولها في عكس اتجاه عقارب الساعة من “دير كريميسان” في الشمال حيث يُصنع الخمر ثم وادي “المخرور” حيث تنمو أشجار المشمش ثم قرى “بتير” ووادي “فوكين ونحالين”.

وأبدعت ينابيع المياه الطبيعية النابعة من طبقات الحجر الجيري في سقاية جنان الوادي. فقد زُرعت المكسرات والفاكهة المجففة كاللوز والمشمش والتين والعنب التي أجدها في الحلوى خاصتي في هذي التلال، يتعاقب وقت حصادها واحدة تلو الأخرى من الربيع إلى الخريف.

فتوضع الفاكهة بعد قطفها فوق رقع من القماش لتجف في ظلال الأشجار أو داخل البيوت حتى لا تقسو قشرتها بفعل الشمس والثاني هو الأفضل.

كلمات انجليزية تعود أصولها الى لغة في بيت لحم القديمة

تأتي الكثير من أسماء الفاكهة باللغة الإنجليزية لتمثل طريقها إلى اوربا من أفران صانعي المعجنات في بيت لحم. فاللوز (Almond بالإنجليزية) مأخوذة من الكلمة اليونانية amygdale المأخودة من الكلمة الكنعانية موندا، والتي أضاف إليها الأوروبيون في العصور الوسطى السابقة al- حيث ابتاعوا المكسرات من العرب وظنوا أن هذي الكلمات لها أصول عربية.

 كما أن الأصل الإنجليزي لكلمة مشمش (apricots باللغة الإنجليزية) abrecock هي كلمة منقولة من الأصل الكنعاني مباشرة “البرقوق”. والتين (fig باللغة الإنجليزية) مأخوذة من كلمة ficus باللاتينية والمأخوذة بدورها من اسم كنعاني قديم، وزبيب السلطانيات (Sultana) هو الكلمة العربية “للملكة”، أما الزبيب العادي (raisin) فمأخوذة من الكلمة اللاتينية للعنب، والزبيب الأصفر (currant) سُميَ على اسم المدينة اليونانية كورنيث Cornith. وتمثل هذه الأسماء تأريخًا للعلاقات التي ربطت بين المشرق والمغرب على مرِّ العصور.

إن الأعشاب المُستخدمة في صناعة البودينغ قد لا تُزرع في بيت لحم ولكنها أكثر المكونات التي تتميز بها المنطقة. فكلمتيّ قرفة (cinnamon) وسليخة أو القرفة الصينية ((cassia وهما لحاء شجر القرفة كلتاهما ترجعان إلى اللغة الكنعانية، وهي اللغة المستخدمة في فلسطين وفينيقيا قبل نشوء إمبراطورية الفرس منذ 2500 عامًا.

علاقة الشعوب القديمة مع اهل بيت لحم قديما

علاقة الشعوب القديمة مع اهل بيت لحم قديما

 قد سيطر الأنباط على طريق التوابل لحوالي ألف عام؛ ولذا كانت اللغتين النبطية والإدومية فرعي اللغة العربية الأم التي ظهرت في فلسطين قبل العصر الفارسي. وكانت كلا الجماعتين من البدو شبه الرُحَّل ورعاة الماشية.

ولكن بحلول عام 800 قبل الميلاد، بدأ الأنباط بالرعي في أماكن أبعد من نظرائها بفضل قدرة رعاتها على إيجاد الماء وحُسن استخدامه وتخزينه في الظروف الصعبة.

وقد مَهَّد ذلك لقيام علاقات تجارية مذهلة من خلال طريق التوابل، فقد شق الأنباط طرقًا للتجارة امتدت جنوبًا فضمت الهند وإثيوبيا واليمن وشمالًا وصولًا إلى مستودعاتهم على خليج نابولي في جنوب إيطاليا.

وهكذا ظهرت على طول طريق التوابل مدنًا أنشأها حلفاء الأنباط وأعداؤهم كمحطات استراحة ومراكز لتحصيل الضرائب والأسواق، فكلٌ أراد منفعته من الطريق.

وفي فلسطين، لم يقتصر الأمر فقط على تجارة التوابل والسكر والعطور، فقد كان البحر الميت هو مركز تجارة إمبراطورية الأنباط، وهو بمكانة المركز للمواد الكيميائية الطبيعية حيث اُسْتخرج منه القطران والبوتاس وتراب القصار وغيرها من المواد الضارة. فقد امتد من بيت لحم طريق هام للتجارة من البحر الميت عُرف بوادي خريطون ربط بينها وبين يافا وغزة.

متى نشأت مدينة بيت لحم تاريخيا

متى نشأت مدينة بيت لحم تاريخيا

بدأت مدينة بيت لحم تتشكل كمركزٍ عمراني في وقتٍ مبكر جدا من الألفية الأولى قبل الميلاد بعد أن شُق مجرىً للمياه.

ولكن لم تنشأ بيت لحم كمدينة مأهولة بكثافة، حتى شُقَّ مجرىً مائيًّا أعظم من الأول خلال الحكم الروماني عام 200 قبل الميلاد تقريبًا، فكانت بذلك من أحدث المدن إنشاءً بين مدن المنطقة. وهي بذلك تعتبر من أقدم المدن في التاريخ.

إن ارتباط تاريخ نشأة بيت لحم بإنشاء المجرى المائي في فلسطين يُثير غموضًا حول تسمية المدينة. ففي لغة كنعان، تعني بيت لحم “بيت الخبز” بينما تعني في اللغة العربية “بيت اللحم”.

وفي الوقت الذي أُنشأت فيه بيت لحم، كانت لغة كنعان قد أصبحت من الماضي البعيد وما عاد يتناسب تسمية المدينة “ببيت الخبر” كما هو في اللغة الكنعانية، حيث تقع بيت لحم بين التلال الخصبة على حافة الصحراء، ولذا كانت مناسبة لزراعة البساتين لا زراعة القمح.

ولا شك أن القمح والشعير قد زُرع كلاهما في بيت لحم حيثما سمحت الطبيعة الخلابة، ولكن المناطق التي يكثر بها زراعة القمح تقع في شمال جنين أو في سهول المناطق المحتلة في الوقت الحالي.

ماذا تعني كلمة بيت لحم

بيت لحم هي كلمة كنعانية قديمة، ففي لغة كنعان، تعني بيت لحم “بيت الخبز” بينما تعني في اللغة العربية “بيت اللحم”.

هل وُلد المسيح في بيت لحم فعلا؟

تاريخ هذه المدينة يكشف هذا الغموض: هل وُلد المسيح في هذه المدينة؟ إن أقوى دليل يؤيد هذه الفكرة هو أن الحجاج بدأوا في زيارة بيت لحم خلال مئة عام من حياته وحتى خلال الأعوام التي كان الناس لا زالوا يذكرون صلب المسيح، وحتى وقتٍ قريب بما يكفي ليذكرها المجتمع بأكمله.

أما النظرة المضادة فتقول: إنه من الصعب التوفيق بين الروايات التي ذكرها الإنجيل، ويبدو أنها قد صُممت حتى ترتبط بقصة “داوود” الأسطوري، الراعي البدوي الصغير الذي يكبر ليصير ملكًا.

وإذا كان من المستحيل ترجيح أحد الرأيين، فقد ذُكرت بيت لحم كما كانت في القرن الأول في أناجيل “متى ولوقا” وهو ما جعلهما سجلات ثمينة لتاريخ المدينة.

وتتمثل موارد بيت لحم في الماء والمناخ وقربها من البرية، والتي تجذب الرعاة إلى أسواقها. وذكرت روايات الأناجيل أن بيت لحم كانت سوقًا للأغنام: حيث كان الرعاة هم أول من رحب بالمسيح طفلًا.

ترجمة: سمر النجار
تدقيق: معاذ محمد
الاصل الانجليزي: هنا