حوار مع الدكتور ريتشارد كارير حول الالحاد والطبيعية الوجودية

- 01:49

الدكتور ريتشارد كارير  Richard Carrier هو فيلسوف ملحد ومؤرخ ومدرس معروف عالمياً، حصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الفكري اليوناني-الروماني من جامعة كولومبيا. وهو معروف كمؤلف الكتاب: Sense and Goodness without God: A Defense of Metaphysical Naturalism وككاتب في الشبكة العلمانية (والمعروفة ايضا باسم Internet Infidel) حيث بقي رئيساً للتحرير فيها لعدة سنوات (الان الرئيس الفخري).

ساهم الدكتور ريتشارد كارير  بصورة كبيرة في تأليف كتاب The Empty Tomb وظهر أيضاً في الفيلم الوثائقي The God Who Wasn't There.

نشر دكتور ريتشارد كارير عدداً كبيراً من المقالات في الكتب والمجلات والجرائد وقدم الكثير من المحاضرات في انحاء الولايات المتحدة والتلفزيون مدافعاً عن الطرق التاريخية السليمة وعن اخلاقية المنظور العالمي للطبيعية العلمانية. اتصلت بريتشارد كارير وسالته عن: الطبيعية الوجودية، المسيحية، الالحاد في الشرق الاوسط وعن أرائه السياسية، وحياته الخاصة، فكان الحوار التالي.

حوار مع الدكتور ريتشارد كارير حول الالحاد والطبيعية الوجودية



1-في البداية، دعني اشكرك مرة اخرى على منحنا جزءاً من وقتك، اذا نظرنا الى التعاريف المختلفة للفظ "طبيعة" و "طبيعي" والتي ناقشها كيث اوجستين في اطروحته لنيل الماجستير والمعنونة "دفاع عن الطبيعية"، اتمنى ان اسمع تعريفك الخاص للفظ "طبيعة".


لقد ناقشت هذا بصورة مفصلة وبامثلة شائقة هنا: Defining the Supernatural ، ايضاً لدي مقالة ستنشر في مجلة Free Inquiry في العدد الخاص بتعريف الطبيعية (ربما ستنشر في السنة المقبلة، فقد بقيت قابعة في قائمة الانتظار لسنوات وعنوانها "حول تعريف الطبيعية كمنظور عالمي"، بحسب اخر خبر، فانها ستظهر في عدد: نيسان/ ايار لسنة 2010 ولكن قد تم تقريب نشرها في السابق وربما سيتكرر ذلك مرة اخرى).

2- احدى نقاط قوة الفكر الالحادي هي كونه الموقف الافتراضي، حيث ان الالحاد ليس ادعاءاً وانما جواب على ادعاء. هل تظن ان هذه القوة ربما ستضعف بسبب ان الطبيعية الوجودية ليست فقط ادعاءاً حول ماهو موجود وانما تتجاوز ذلك الى منظور حياتي شامل؟ (المنظور الحياتي يعني القواعد الاخلاقية والافكار السياسية والاجتماعية والجمالية والمعرفية والحياتية وكل ما تستخدمه من اساليب في حياتك العملية – المترجم)


انا ارى الامر بصورة مغايرة تماما، اي ان الالحاد الصرف هو الموقف الضعيف.

اولاً، لايمكن ان تمضي بحياتك بدون ان تملك منظور حياتي شامل ومكتمل، ففي واقع الامر، انت تملك هذا المنظور سواءاً عرفت بذلك ام لم تعرف (باستثناء اذا كنت مجنون وحتى في هذه الحالة فقد يكون لك بالمعتاد منظور ما). لذا اذا اردت ان تمضي كملحد صرف فانت ستمضي بمنظور حياتي غير مختبر وغير مدروس وهذا امر قد تكون غافلاً عنه حتى وان كنت تعتمد عليه يومياً. كما انه من جهة، فان المسيحيين قد يستغلون هذه الفرصة ضدك، فاذا كانو قد فكروا جيداً بمنظور حياتي افضل مما عندك فباستطاعتهم كشف الفشل في منظورك وهذا يؤدي الى فشل جدي في اللالحاد الصرف (كما ساوضح ذلك بعد لحظة). ومن جهة اخرى، إن هذا غباء، ليس من المستحسن ان تمضي بحياتك بلا منظور مدروس حتى لو لم يكن هناك اديان. لذا اقول توقف عن ذلك وابدأ بالاختبار والفحص ودراسة منظورك الحياتي بدل ان تدعي انك لاتملك واحداً.

اظن ان الخوف من الالتزام بمنظور حياتي شامل يتأتى من انه قد يتساوى مع الدوغمائية واليقين. وهو قول فيه مغالطة كبيرة. يمكنك ان تحصل على منظور حياتي ابتدائي تكون اجزاءه على مراحل يقينية مختلفة ومن ثم تنقح منظورك بلا تحرج (العلماء يفعلون هذا طوال الوقت)، او حتى تعتمد من وقت لاخر على مجموعة من الخيارات الغير مثبتة. لكن تبقى حقيقة انه يجب ان تملك (وانت تملك بالفعل منظورا حياتياً، علمت بذلك ام لم تعلم) فكرة ما عن هيكلية الاحتمالات والامكانيات. حتى لو كان هناك جزء من منظورك الحياتي يكتنفه الغموض الشديد فانت ملزم معرفياً (ابستمولوجياً) ان تتأكد ان هذا الجزء هو افضل من بقية البدائل التي توفرها المنظورات الحياتية الاخرى. وبالمثل اذا كنت غير متأكد بين، لنقل ثلاث طرق مختلفة للاجابة على سؤال، وتقرر ان تمضي مفترضاً ان احدهم هو الصحيح، فانت لاتزال ملزماً معرفيا ان تتأكد ان هذه الخيارات لا تمثل فقط الخيارات الافضل من بين كل النظرات البديلة وانما ان تكون كلها متساوية احتمال الصدق، والا توجب عليك ان تميل باتجاه اكثرها احتمالا للصدق. اذا لم تفعل هذا، فستستسلم لحماقة افتراض ان كل الاجوبة على سؤال ما متساوية الاحتمالية وهذا جنون. انها مغالطة يستغلها المسيحيون بصورة روتينية.

ثانياً، المدافعون عن المسيحية قد يضيفون لهذا: اننا نملك تفسيراً افضل لكل ما لم يستطع العلم حتى الان ان يفسره من ظواهر العالم، لذا فمن غير العقلاني الا ترى منظورنا هو الاكثر احتمالاً للصدق حالياً. وهكذا فان اخذ موقف الالحاد المجرد ليس عديم النفع في الحوار مع المدافعين عن المسيحية فقط وانما يهزم فورياً بذلك. هناك طريقة واحدة للرد على هذا بصورة سليمة. لابد ان تثبت ان المقدمة الرئيسية خاطئة، اي انهم لايملكون المنظور الاكثر احتمالا للصدق للظواهر التي لم يفسرها العلم. وانت تفعل هذا (من خلال اللا ادرية) عبر ذكر مجموعة مماثلة من التفسيرات التي تتساوى احتمالية صدقها مع ما عنده. ولكن في مرحلة ما ستكتشف ان هذا الجواب لايعدو ان يكون حذلقة وسذاجة وان هناك في حقيقة الامر تفسير افضل من ذلك وهكذا فان الطبيعية تهزم اللا ادرية. وفي حقيقة الامر فان اللا ادرية (وبالمثل الالحاد الضعيف) هي الحجة الضعيفة وليس العكس. وكما ان الطبيعية تهزم اللا ادرية فانه من باب اولى ان تهزم الطبيعية المسيحية باستخدام طريقتهم الدفاعية ضدهم. كأن يكون جوابك: كلا يا سيدي، في الحقيقة نحن لدينا تفسير افضل للظواهر التي لم يفسرها العلم من تفسيرك ولذا فانه من غير العقلاني الا ترى تفسيرنا هو التفسير الاكثر احتمالاً للصدق.

اظن انه من الاخطاء الشائعة ان تفترض ان ادعاءات الفلسفة الطبيعية تماثل الادعاءات الدوغمائية اليقينية، وهذا لايعدو ان يكون نفس المغالطة المنطقية التي اوضحتها سابقاً. القول ان الطبيعية هي المنظور الحياتي الاكثر احتمالاً للصدق بناءاً على الادلة الحالية يعني بالتحديد انها اكثر احتمالاً للصدق من الاخريات (وفي رأيي، انها كذلك الى حد كبير، لايوجد منافس اخر يقترب منها حتى، وهذه حقيقة قد لايعرفها اولئك الذين لم يطلعوا على كل الحقائق) ، انها لاتعني انها بحد ذاتها صحيحة بصورة حاسمة لاتـُنكر، الاكثر احتمالاً لايعني 100% او حتى 80% انها فقط تعني اكثر (من غيرها). اذا كان المنظور الحياتي التالي للطبيعية صحيحاً باحتمال 20%، فان الطبيعية تحتاج ان تكون صحيحة باحتمال 55% ليتم اعتبارها اكثر مصداقية بصورة كبيرة، انا اتصنع الارقام هنا ولكن انت ترى وجهة نظري. الاثبات بانك تملك منظور افضل لكل حقيقة غريبة هو امر كاف لدحض المسيحية. نحن، بناءا على هذا، لانحتاج ان ندعي ان هذا المنظور صحيح، بل ان نثبت انه بناءاً على كل التفسيرات المتصورة حتى الان فان تفسيرنا هو الاكثر احتمالا لان يكون صادقاً من غيره. ربما يتغير هذا غداً مع حصولنا على معلومات جديدة وبالتالي قد يـُثبت ان تفسيراً اخر اكثر مصداقية. ولكن الان فنحن يتوجب علينا ان نؤمن بما ترجحه الادلة اكثر من غيره. ومتى ما تدرك ان لدى الفلسفة الطبيعية تفسير افضل مما لدى المسيحية، ستعلم ان لديها تفسير افضل من اي منظور عالمي اخر. وهذا يؤدي الى نتيجة عقلانية واحدة، اننا كلنا يجب ان نكون طبيعيون، على الاقل حالياً. ربما ادلة المستقبل ستغير قناعاتنا، ولكن يتوجب علينا ان نمضي بحسب ما نعرف حالياً. اترك المستقبل لاهله.

3- خلال عرض قدمته في رابطة الفكر الحر في ميشيجان في سنة 2007، قلت عن اهمية البحث في الكليـّات (الميتافيزيق) "..يجب ان نفعل كل ما بوسعنا لملأ الفراغات بالطريقة الاكثر منطقية". بناءاً على هذا، كيف ترد على من سيقولون ان الطبيعية الوجودية لاتعدو ان تكون ابدال جملة: "الله فعل هذا" بجملة: "الطبيعة فعلت هذا"، بكلمات اخرى، المثيل الالحادي لاله الفراغات الديني؟


اولاً، نحن لانملأ الفراغات باي تقاليد دوغمائية. نحن نتحلى بالمرونة ونترك امكانية لملأ الفراغ بطريق اخر محتمل ربما نكتشفه غداً. وعندها فان المفكر الطبيعي سينقح الامر بحسب الضرورة. وهكذا فان تاريخ الطبيعية هو تاريخ تنقيح وتحسين عملية ملئ الفراغ بصورة دائمة مع توفر ادلة جديدة. انها تتغير مع الادلة وبطريقة تتزايد بها منطقيتها وتكسب المزيد والمزيد من اليقين، وهذا هو ما يجعل الطبيعية كعقيدة مختلفة عن العقيدة الدينية التي لاتحرز اي تقدم ملموس ونادراً ما تصغي للادلة وحيث قلما تتغير في اعقاب ذلك، وحينما تفعل وتستجيب للادلة، فان النسخة المنقحة الجديدة منها ليست اكثر يقيناً وبناءاً من سابقها. فقط قارن تاريخ الطبيعية وتاريخ الدين وستجد واضحاً جداً اننا نملك القدح المعلى الذي لايملكوه.

ثانياً، نحن لانملأ الفراغات بما نهوى، بل نملأها بما تخبرنا الادلة المسبقة عن ما يرجح وجوده فيها. بكلمات اخرى، نحن لانتعاطى محاججة اله الفراغات لاننا ننخرط بدلاً عن ذلك بالاستدلال السليم المبني على الاحتمالات التي سبق التحقق منها تجريبياً. حينما نقول ان الفراغات تملأ بحقائق طبيعية، فاننا نقول ذلك لانه هكذا مـُلأ كل فراغ معرفي في السابق ولالاف المرات عبر القرون بدون فشل. العلم لم يـُرنا نتيجة اخرى. خذ نظرية العقل على سبيل المثال، فتقريباً كل فراغ معرفي كان موجود فيها منذ عام 1800 تم ملأه بحقائق طبيعية مثبتة علمياً. العلم المعرفي يتربع حالياً على عرش قمته ولايزال يحرز تقدماً مطرداً. والان حينما ننظر الى الفراغات القليلة المتبقية، صدقاً ماهي فرص ان يخسر فرس الطبيعية هذا السباق فجأة وقد فاز في كل السباقات السابقة لهذا السباق ولم يحصل ان فاز اي من المنافسين الاخرين لاي سباق اخر؟ الاحتماليات المسبقة تقف بقوة ووضوح الى جانب الحقائق الطبيعية. لايمكن ان يقال نفس الامر عن الله.

وهذا هو الفرق بين حجج الميتافيزيق (البحث في الكليات) العقلاني وبين "اله الفراغات"، فالاخير غالباً ما يعتمد على تكرار مغالطة "هذا ممكن، لذا فهو محتمل". فحينما يمكن تصور تفسير ما، فان الديني يفترض بكل بساطة بان هذا التفسير محتمل، وهذا الاحتجاج خاطئ وغير عقلاني كلياً. نحن نمضي مع ما اُثبت صدقاً انه الاكثر احتمالاً، وقد حصل ان يكون الاكثر احتمالاً هو الفلسفة الطبيعية.

4- دعني الان انتقل الى تاريخ المسيحية، لطالما وجدتُ مثيراً ان بعض احداث حياة يسوع تتشابه مع الاله المصري حورس. هل تظن ان اتباع المسيح ربما نقلوا اساطير حياة حورس الى سيرة حياة يسوع؟


لا، واشك انك ربما تكون ضحية ذلك الفيلم الوثائقي المزيف والشنيع Zeitgeist (او ما اشك ان يكون المصدر هو كتاب توم هاربر "المسيح الوثني The Pagan Christ". اذا كان الامر كذلك، فانه تقريباً كل ما سمعت عن ذلك خاطئ او غير مثبت.

اولاً، الفكرة كلها تخلط بين حورس واوزيريس، لاتوجد نصوص مصرية قديمة لحورس تناظر يسوع على الاطلاق، ربما باستثناء بعض جوانب ولادتهما ولكن حتى في هذه الحالة فان التناظر بعيد جداً وغير مباشر وهكذا يكون كلياً غير مثير. لدينا تناظر اكثر بين اوزيريس ويسوع، ولقد قمت بمناقشة بعضها ولكنها غير مهمة عموماً ويصعب تفسيرها، على سبيل المثال: Osiris parallel

ثانياً، هناك تناظرات كثيرة ومثيرة بين يسوع ورومولس Romulus على سبيل المثال، وهي تناظرات ذات صلة اكبر لان رومولس كان مؤسس الامبراطورية الرومانية التي كانت المسيحية تناقضها. وقد كان يتم الاحتفال بقصة رومولس كل سنة بمناسك والعاب، لذا فمن الواضح جداً لـِمَ قد تفكر المسيحية بنقل قصة رومولس ومن اين قد يكونو حصلوا على المعلومات. لايمكن كلياً تفسير لـِمَ قد يستخدمون قصة حورس لهذا، او من اين قد يكونو حصلوا على هذه المعلومات. على الاقل اوزيريس يشكل منطقاً ما باعتباره المخلص الذي نهض من الموت في احدى الديانات المنافسة للمسيحية بقوة: أسرار ايزيس. ولكن حتى في هذه الحالة، فمن الصعب ان نفسر لم اختاروا هذا المخلص بالذات بدلاً عن، لنقل، هرقل او كاستور او أسكليبيوس Asclepius او اي مما عندك. إن هوس التناظر Parallelomania هو مغالطة منطقية يتوجب على الانسان ان يتجنبها. يجب ان تكون حريصاً حول كيف تفسر التناظرات الظاهرية وكيف تنوي ان تشرحها. يجب ان تكون نظريتك منطقية بمواجهة كل الادلة وفي سياقها السليم، لابد ان يكون هناك سبب لوجود هذه التناظرات هناك ولماذا هذه التناظرات بالتحديد وليس شيء اخر (تماماً كما يتوجب ان يكون هناك سبب للاختلافات التي يوجد منها الكثير).

ومع ذلك، فانا في الحقيقة اتفق معك ان قصة يسوع قد شيدت من النماذج الاسطورية المتوفرة في ذلك الزمان. وانه يتفق مع نموذج شائع منذ ولادته وحتى مماته، هذا النموذج تم تكراره مرات عدة في العديد من الالهة ولاجدال في هذا على الرغم من ان العديدين يحاولون انكاره. كتابي القادم سيتعدى مجرد اثبات اي من الصلات موجودة هناك بالتحديد وانما سيضع تفسير جيد لتلك الصلات ويثبت الطريقة التي تكون بها متأكداً من ذلك وليس مجرد الايمان بنظرية متناسبة مع الادلة. العيب الفادح في دراسة الاساطير هو عدم وجود منهج سليم منطقياً، وهذا هو سبب وجود العديد من النظريات الاسطورية المتناقضة الخاصة بيسوع وكلها يتم الدفاع عنها بحماس على انها يقينية جداً مما ينجم عنه اثبات مدى الغلط المتضمن في هذه النظريات. وكـَمـِثل الدينيين، فان هؤلاء لايدركون ان انتشار النظريات البديلة هو بالتحديد ما يجعل البديل الذي يطرحونه خاطئاً الى حد بعيد. اذا كان هناك عشر نظريات يمكن الدفاع عنها بصورة متساوية، فان فرصة ان تكون نظريتك صحيحة هي واحد من عشرة، هذه ليست فرصة جيدة. لكن لكي نكون منصفين فان نفس المشكلة تطال النظرة التاريخية ليسوع ايضاً، فهناك العديد من النظريات المتناقضة حول يسوع التاريخي، وايضاً كلها تدافع بحماس عن كونها صحيحة تماماً، لذلك فان الدراسات السائدة ليسوع هي دراسات مفلسة منهجياً حالها حال دراسات يسوع كاسطورة، هذا ما يزال بحاجة الى اثبات ولكن حتى في مثل هذه الحالة، اشك في ان كلّ محامي دفاع عن نظريات يسوع الاسطورة سيصابون بخيبة الامل حينما يكتشفون ان نظرياتهم المدللة ليس هي الصحيحة بعد كل هذا وليست حتى تستحق الدفاع عنها من ناحية عقلانية من البداية.

على اي حال، فهذا هو ما يهدف كتابي القادم الى البدء بحله.

5-باعتبار انك متخصص بالتاريخ، هل تظن ان النظرة الماركسية للتاريخ هي نظرة صحيحة؟


لا، انها غير تجريبية كلياً، وحقائقها قابلة للطعن، وهي كمثل تكهنات من يجلس على الاريكة بحيث انها بالكاد متماسكة داخلياً وقلما اثبتت علمياً. ولكن لكي اكون منصفاً فنفس الشيء يقال عن ند ماركس الابرز في القرن العشرين: آين راند ونظرتها الموضوعانية Objectivism التي تتساوى مع الماركسية من حيث عدم التجريبية وقابلية الطعن وكونها اشبه بتكهنات الجالس على الاريكة ايضاً. ومع ذلك، فاننا جميعاً افضل حالاً في عالمها المصدّع من ان نكون في عالم ماركس لان العواقب الكارثية الغير منظورة في حالة ماركس اكبر من آين راند.

6- الملحدون في الشرق الاوسط يعيشون تحت حصار الاصوليين الاسلاميين، انهم لايستطيعون التنفس الا عبر الانترنت، ماهي النصيحة التي تود ان تقدمها لهم؟


أبقوا مداد ذاك الاوكسجين جارياً، لكن في نهاية المطاف فان الطريقة الوحيدة لربح تلك الحرب الثقافية تكون بانهاء الفقر والفساد في الشرق الاوسط. وحالما تمتلك مجتمعات الشرق الاوسط وظائف وفيرة وقاعدة ضريبية قوية لتمويل حكومة مسؤولة اجتماعياً، فان تلك المجتمعات ستفقد تدريجياً اهتمامها بالدين. هذا هو بالضبط ما حدث في اوروبا، وما يحدث حالياً في امريكا.

وحتى يأتي ذلك الوقت، يتوجب عليكم ان تتظاهروا بالايمان لمجرد الابقاء على رؤوسكم. تستطيع الرد على الاصولية بكل ظاهرها بنفس الطريقة التي ردت بها حركات المقاومة على الاحتلال النازي: وراء الكواليس، وبمنتهى السرية، طوروا شبكات للاتصال فيما بينكم وحلولاً متبادلة للمعضلة الاخلاقية المتمثلة بالتظاهر باطاعة ما يريد منكم الاصوليون (خشية ان تقتل). ساعدوا بعضكم بعضاً، تبادلوا المعونة والمواساة، فقط لاتفعلوا ذلك في العلن. او تستطيعون الرد بنفس الطريقة التي جعلت المسيحيين الاحرار يسيطرون على معظم اوروبا: عبر استعمال العبارات الايمانية القوية، والحجج اللاهوتية المخضرمة، وباستخدام القرآن لتخريب خطط الاصوليين. اذا اراد الاصوليون رجم امرأة بتهمة الزنا، فاثبتوا لهم ان هذا ضد مشيئة الله. اذا ارادوا اطلاق النار على رسام كاريكاتير بسبب عدم احترامه لمحمد فاخبروهم ان محمد في حقيقة الامر اكبر اخلاقيا من ان يتأذى بهذه السفاسف وان مثل هذا التصرف يؤذي العالم الاسلامي بهذا الرد العنيف الغير متناسب مع هذه الجريمة الفارغة، وقيسوا على ذلك.

اذا كان هناك شيء اخر افضل من هذا يمكن عمله فانا محتاج جداً الى سماعه.

كما يجب علي ان اضيف ان تفكرو بسبل تجعل من هم في شك يجدون الشبكات التي تؤسسوها او ترتبطون بها، وبهذا تنمو حركة المقاومة ولايجد من هم في شك انفسهم وحيدين بلا معونة. الانترنت يمكن ان يكون عاملاً اساسياً هنا، ولذا كانت نصيحتي بابقاء مداد الاوكسجين جارياً.

7- كمؤلف كتاب "Sense & Goodness without God"، ماهي الطريقة الافضل لتربية طفل ابويه ملحدين في ظل مجتمع محافظ؟ انا اناضل لاجد الجواب الاقل ضرراً، لانه من جهة انا لا اريده ان يكبر ليسميه باقي الاولاد في المدرسة "الطفل الملحد الشيوعي النازي الغبي الذي يعبد دارون ويكره الله" ومن جهة اخرى لا اريده ان يتحول الى اصولي مجنون.


يتوجب علينا ان نضع خططنا بما يتلائم مع بيئتنا. في بيئة عدائية لك للغاية لك فان اقصى ما اوصي به هو ان تهاجر، اذا كنت لاتحب الطريقة التي يدير بها النازيون الامور، فلا تعش مع النازيين، لكن هذا ليس ممكناً بالعادة فالحل المتبقي ربما يكون هو: التخريب، تظاهر بانك مثلهم وعلـّم اولادك ان يفعلو نفس الشيء ولـِمَ يكون من الاخطاء الاخلاقية انهم يجبرونكم على فعل ذلك وبانه بهذه الطريقة فقط يمكن ان يتجنبوا القمع بينما يبقون احراراً ومستقلين وليس عبيداً لضغط الاقران الدنيء، فقط لاتشاركوا في القمع مع الاخرين وساعدوا بعضكم ولو بالسر ولاتؤذوا اولئك الذين يصبحون هدفاً لهجمات الاصوليين، وبنفس الطريقة تستطيع الاستماع الى كل النصائح التي ذكرتها سابقاً حول كيف تواجه احتلالاً فاشياً. وحالما تصبح البيئة اقل عدائية فابدؤا بنقش مقاومتكم في العلن، اخرجوا كملحدين، لاتتظاهروا باي شيء بعد ذلك واسمحوا لاطفالكم بمواجهة الظلم ولكن اعطوهم الدعم والمعونة، انصحوهم ان يبحثو عن حلفاء ينضمون اليهم في التظاهر ضد شرور مجتمعهم الاكبر وهكذا فان دائرة الاصدقاء ستحمي بعضهم بعضاً. وبالتالي اذا تمكنتم من بناء ركن كبير لانفسكم فلن يستطيعو ان يمسوكم باذى. وفي جميع الاحوال فكروا باستراتيجيات جيدة، وسلحوا اولادكم بادوات جيدة ليس مجرد حقائق وعقلانيات وانما بعض الفنون القتالية بالسلاح الابيض قد تكون مفيدة، لقد سمعت قصصاً عن ذلك.

ولكني اولاً سافضل ان اذهب الى الاخرين الذين ابحروا من قبلي في نفس المتاهة واتعلم منهم. حالياً، هناك العديد من المواقع الالكترونية والمقالات المخصصة لاحتياجات واهتمامات الاسر الملحدة واظن حتى بعض الكتب. ابحثوا عنها فان لم تجدوها فانشؤها.

بالتأكيد يتوجب علي ان اضيف كجواب على كلا السؤالين السابقين، بان الانسان يملك دائماً اختيار المقاومة المسلحة والتي تؤدي الى ثورة عنيفة منظمة، لكن اذا اخترت هذا الطريق فيتوجب عليك ان تلتزم بجميع ما يترتب على ذلك: ربما ستموت، وربما سيموت اطفالك، وربما لن يكون للثورة اي تأثير الا بعد تضحيات كثيرة كمثل تضحيتك بنفسك. ولذا من المرجح الا تكون هذه فكرة جيدة. اذا انتويت ان تمضي بهذا الطريق فمن الافضل ان تسمع نصيحة جيدة: تأكد من ان تقتل عشرة اضعاف ما يقتلون منكم. لن تنتصر الا اذا حققت نسبة قتل خمسة الى واحد على الاقل، واحد الى عشرة هي النسبة المثالية، ابق على هذه النسبة وستظفر ولكن فقط اذا كنت مستعداً للموت في اثناء ذلك واذا كان هناك الاف على اهبة الاستعداد ليحلوا مكانك في الحرب حينما تسقط وحتى تضع الحرب اوزارها. فقبل كل شيء هذا هو السبب الذي يقتلونك من اجله: حتى يخيفو الاخرين من امثالك من الاستمرار في المقاومة، و لذا مالم يكن هناك الاف مستعدين للموت في سبيل انهاء هذا الارهاب فان هؤلاء الارهابيين سيقضون على اي مقاومة مسلحة ويصبح موت من ماتوا منكم بلا معنى. وهكذا فربما يكون التخريب السلبي افضل ستراتيجية الا اذا كان منكم عدد كاف يعملون كما عمل الثوار الامريكيون من قبل، الموت باعداد غفيرة من اجل النهوض بقضية الحرية للجميع. المقاومة السلبية ستستغرق وقتاً اطول وربما تحرز نفس النتيجة.

8- انا اعرف، وشكراً لك، ان الطبيعية الوجودية تحشر انفها في كل شيء حتى في الطريقة التي نصوت فيها في الانتخابات. لو تم انتخابك رئيساً للولايات المتحدة، فماذا ستفعل؟ ماهي التغييرات التي ستجريها على السياسة الخارجية للولايات المتحدة؟


لقد وضعت برنامجي السياسي في كتابي " Sense and Goodness without God" ما كنت لافعله هو الى حد كبير ما ذكرته هناك. ولكن فقط كملاحظة هنا، فان ما نريد فعله نادراً ما يتوافق مع ما يمكن فعله. انا سياسي براغماتي (عملي). انا اؤمن بانه يتوجب علينا فعل ما يمكن تحقيقه، اي شيء اخر يعد هزيمة ذاتية. لذا، فانا مستعد لتقديم التنازلات، هناك اشياء لن اساوم عليها ولكن هناك ما سأكون راغباً في التنازل عنه، وهكذا فان ما افعله سيعتمد الى حد كبير على مقدار القوى التي تعارضني في وقت ما، ورياح مثل هكذا قوى تتغير باستمرار.

وبقدر ما يتعلق السؤال حول السياسية الخارجية، فانا اولاً ساشن حروباً بصورة اكثر ذكاءاً مما نفعل حالياً. لقد كنا نفعل ذلك بلا مبالاة وبعجرفة وتخطيط سيء، كمثال على هذا، افترض ان الحرب على العراق كانت شرعية (انها لم تكن كذلك ولم اكن لاخوضها – انا كنت سانشر هذا المستوى من الموارد في افغانستان منذ اليوم الاول بدل ان ارسل قوة عاطلة وأكرس مئات مليارات الدولارات من رأس مال الحرب على جبهة لاتمت بصلة كلياً، ولكن افترض على سبيل الجدل ان الحرب على العراق كانت مبررة، وما ساقوله بهذا الشأن كنت لافعله بشأن افغانستان ايضاً)، اولاً: لن اقوم بوضع الامة على قدم الاستعداد للحرب بينما الجميع في الوطن يمكن ان يتظاهرو اننا في حال سلام، انا كنت سأرسل ضعف القوات التي اُرسلت، وشرعت في نفس التقنين والتنظيم الاجتماعي الذي فعلناه خلال الحرب العالمية الثانية. بكلام اخر: كل امريكي سيكون مشاركاً ومضحياً بنفس الجهد في سبيل الحرب. اذا رفض الامريكيون ذلك فان هذا يثبت ان ان الحرب لم تكن عادلة، اذ لو انها كانت كذلك لكانوا مستعدين للتضحية في سبيلها حتى النصر. الحرب برمتها كانت لتأخذ منحى اخر مع هذا العدد من القوات على الارض وهذا المقدار من التعزيزات المنظمة في داخل البلد. ثانياً، حينما اكون قد سيطرت على البلد، لكنت قد بدأت على الفور (وبصورة مخطط لها مسبقاً) جسراً جوياً عظيماً مثل جسر برلين الجوي لتوفير الدواء والطعام وباقي الضروريات لكل عراقي وبالحال، ولكنت صببت ما استطيع من جهد الجند على اعادة بناء البلد وباسرع وقت ممكن (طرق جديدة، مستشفيات، محطات كهرباء، مرافق للمياه، كل شيء)، وثالثاً (والاكثر اثارة للجدل) كنت سأطلب من العراق بموجب معاهدة استسلامه ان يقبلة بالدستور الامريكي دستوراً له لمدة عشر سنوات (وبعد ذلك سيكونون احراراً في البدء بتعديله باي طريقة يريدونها، بالضبط كما ينص الدستور على ذلك وبتالي يصبون بلدهم بالقالب الذي يرغبون).

ثانياً، لم اكن لاشن الكثير من الحروب منذ البداية.

ثالثاً، ساعمل باتجاه انهاء كل اشكال الدعم الزراعي المحلي وهكذا ستستطيع مناطق مثل افريقيا ان تصدر منتوجاتها الزراعية للولايات المتحدة مما يؤدي بدوره الى انهاء الفقر في افريقيا (الكل يعلم هذا، فقط لا احد يرغب بالاقرار بذلك ممن عنده القدرة على صنع القرار في واشنطن).

رابعاً، سانهي الغطاء السياسي للشركات الامريكية في الخارج (ولاسيما شركات النفط) واصر على ان تقتطع حصة معتد بها من ارباحها لبناء وصيانة البنى التحتية المحلية للبلد التي هي فيها (بالضبط مثلما فعلت قطر). ساعتبر هذا شأناً من شؤون الامن القومي، وليس مجرد عدل، لانه بتشارك جزء من الثروة لتحسين حياة الناس الذين مواردهم وعملهم تستفيد منه هذه الشركات، فان سمعة الولايات المتحدة ستتحسن جداً، ومن شأنه ان يرفع شعبية امريكا وقيمها ويزيد انتشارها، وذاك الوضع الاقتصادي الذاوي والمخزي الذي يعشعش فيه اصوليو النفط سيموت بعيداً ومعه الاصوليون انفسهم، وهذه هي الطريقة التي بها نستطيع ان نربح الحرب على الارهاب وهذا ما كنت لافعله.

هذه امثلة كافية لاعطائك فكرة. ولكن في كل حالة واخرى، وكما اوضحت في كتابي السابق ذكره فانا سأبني سياستي على حقائق مدروسة جيداً، وهكذا فانني اولاً ساحرص على التأكد من صحة المعلومات حول "ما الخلل؟"، وحول ما هو العملي وماهي غير العملي، الايدلوجيات ليست الورقة الرابحة في السياسة، اذا اثبت العلم والحقائق ان اي من الافكار السابقة خاطئة وانها يجب ان تنقح او تبدل بسياسات مغايرة فان هذا ما سوف افعله.

9- هل يمكن ان تخبرنا المزيد عن حياتك الشخصية؟ ماذا تفعل من اجل المتعة؟ اين تقضي وقتك؟ ما الذي يثيرك ولا يثيرك؟

حسناً، تستطيع الضغط على "about" في موقعي (www.richardcarrier.info) وتستكشف الكثير من الاشياء هناك، وايضاً يمكن ان تضغط على "about" في الهامش الايمن لمدونتي (www.richardcarrier.blogspot.com) وتقرأ ما يستجد. وايضاً في مدونتي اضغط واستكشف الادخالات الخاصة بالموسيقى وبالتأكيد تستطيع ان تقرأ ملفي الشخصي الموجود في المدونة. تستطيع ان تعرف الروايات الخيالية المفضلة عندي وافلامي المفضلة. ايضاً فقد رويت اجزاء من قصة حياتي في الفصول الاولى من كتابي Sense and Goodness without God.

ماذا يمكنني ان اضيف لكل هذا؟
هوايتي المفضلة الاولى هي قضاء الوقت مع زوجتي نسخر من الافلام السيئة والبرامج التلفزيونية الجيدة، والتي تليها هي شرب الخمور الجيدة في الحفلات الانيقة الممتلئة بناس فرحين واذكياء وعقلاء ولكن غرباء. وما يأتي بعدها هو الرماية فانا رامٍ بارع بالمسدس والبندقية الاتومايكية، ايضاً فانا اطبخ وبالتأكيد افكر واكتب.

اتواجد في معظم الاحيان في البيت، احب الحياة الهادئة، واحب ان اجعل منزلي ملاذاً استمتع بالتواجد والعمل فيه، نادراً ما افضل التواجد في مكان اخر. ولكن من ناحية عملية فانا اتواجد بكثرة في جامعة محلية وفي المكتبات المدرسية و حيث اجري الدراسات التي لاتنتهي لمشاريعي الكتابية (وهواياتي الشخصية ايضاً) وبالتأكيد استمتع بالسفر لزيارة اصدقائي وعائلتي حينما اقدر.

ما الذي يثيرني؟ اذا اخذت هذا حرفياً، فهو المرأة الجميلة والذكية والمرحة بالتأكيد. ولكن اذا اخذت هذا بصورة مجازية، فببساطة، الرحمة، الصدق، الشجاعة، التعقل، والمعقولية، التميز في اي مهارة او مجال معرفي، وكل عقل منطقي، مستقل هو على قمة ما يثيرني، وكل وقع مادي على العالم من ناس يتحلون ببعض او كل هذه الصفات. ما الذي لايثيرني؟ العكس، حرفياً، المرأة الغير جذابة التي لم تطور عقلها (او تسخر من الذي يفعلون) ولا تتحلى بروح دعابة. أما مجازاً فهم الناس الغير عقلاء، اللا عقلانيون، اللئماء، اللا شرفاء، الجبناء، اللا منطقيون او الذي يقصدون او يثمنون التفوق في اي شيء، او هؤلاء الذين يخضعون بنفاذ صبر لبعض المعايير الخيالية او الحقيقية التي تحيط بهم بدلاً من ان يطورو افكارهم الشخصية واذواقهم واهتماماتهم، ومرة اخرى كل التأثيرات المادية لهؤلاء على العالم.

قد يبدو هذا مملاً او مفرطاً في الجدية ولكنها الحقيقة الصادقة ولايعني ان هذا هو ما اتحدث عنه في الحفلات (الا اذا سـُئلت)، في حياتي الاعتيادية، ما يثيرني هو الضحكة البسيطة والمزاح وشرب الخمر الجيدة، أكل الطعام الجيد، وضم وتقبيل زوجتي (وبالتأكيد ما يؤدي ذلك اليه بالعادة)، ولكن ايضاً التشبع بجمال الصور الخضرية والاشجار، وملاطفة قطة مخرخرة، ما لايثيرني هو الروائح الفظيعة، المطابخ الغير نظيفة، الطرق المستقيمة بصورة مفرطة، البيوت المتشابهة البناء، الكلاب المزعجة والغياب المحبط للخضرة والاشجار. وهذه فقط قائمة قصيرة.

--------------------
دكتور كارير، شكراً لك مرة اخرى.